القرطبي

228

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

والادهان والمداهنة التكذيب والكفر والنفاق ، وأصله اللين ، وأن يسر خلاف ما يظهر ، وقال أبو قيس بن الأسلت : الحزم والقوة خير من * الادهان والفهة والهاع ( 1 ) وأدهن وداهن واحد . وقال قوم : داهنت بمعنى واريت وأدهنت بمعنى غششت . وقال الضحاك : ( مدهنون ) معرضون . مجاهد : ممالئون الكفار على الكفر به . ابن كيسان : المدهن الذي لا يعقل ما حق الله عليه ويدفعه بالعلل . وقال بعض اللغويين : مدهنون تاركون للجزم في قبول القرآن . قوله تعالى : ( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) قال ابن عباس : تجعلون شكركم التكذيب . وذكر الهيثم بن عدي : أن من لغة أزد شنوءة ما رزق فلان ؟ أي ما شكره . وإنما صلح أن يوضع اسم الرزق مكان شكره ، لان شكر الرزق يقتضي الزيادة فيه فيكون الشكر رزقا على هذا المعنى . فقيل : ( وتجعلون رزقكم ) أي شكر رزقكم الذي لو وجد منكم لعاد رزقا لكم ( أنكم تكذبون ) بالرزق أن تضعون الكذب مكان الشكر ، كقوله تعالى : ( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ( 2 ) ) أي لم يكونوا يصلون ولكنهم كانوا يصفرون ويصفقون مكان الصلاة . ففيه بيان أن ما أصاب العباد من خير فلا ينبغي أن يروه من قبل الوسائط التي جرت العادة بأن تكن أسبابا ، بل ينبغي أن يروه من قبل الله تعالى ، ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة ، أو صبر إن كان مكروها تعبدا له وتذللا . وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ( وتجعلون شكركم أنكم تكذبون ) حقيقة . وعن ابن عباس أيضا : أن المراد به الاستسقاء بالانواء ، وهو قول العرب : مطرنا بنوء كذا ، رواه علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال : مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر قالوا

--> ( 1 ) الفهة : العي . والهاع هنا : سوء الحرص مع ضعف . ( 2 ) راجع ج 7 ص 400